فخر الدين الرازي
112
النبوات وما يتعلق بها
ترويج هذه الشبهة . وأيضا فلعل المراد بهذا اللعن : طائفة منهم ، والآتون بهذه المعجزات : أقوام آخرون . وأما الجواب الثاني : فضعيف أيضا لان مع قيام هذا الاحتمال - أعنى كون هذه المعجزات أفعالا للجن - لو جزم المكلف بكونها صادرة من الله تعالى ، لكان التقصير من المكلف ، حيث جزم لا في موضع الجزم . وهذا كما قلنا : في انزال الآيات المتشابهة ، فإنها وان كانت عظيمة الايهام لهذه الأباطيل ، الا أنه لم يقبح صدورها من اللّه تعالى ، لقيام الاحتمال فيها ، فكذا هاهنا . وأما الجواب الثالث فضعيف . لان الأنبياء عليهم السلام أطبقوا على اثبات القوة العظيمة لهم فانكار هذه القوة ، يوجب تكذيب الأنبياء . وذلك من أعظم المطاعن في نبوتهم . الاحتمال الرابع : قالوا : أكثر أهل الدنيا أطبقوا على اثبات الملائكة . والقرآن دل على أن بعد الايمان بالله تعالى ، لا يجب الايمان بشيء آخر ، الا بالملائكة : فقال : « وَالْمُؤْمِنُونَ . كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ » « 28 » والقرآن دل أيضا على أنهم أصحاب القدرة الظاهرة ، والقوى الغالبة ، فان جبريل عليه السلام قلع مدائن قوم لوط من قعور الأرض ، ورفعها إلى قريب من السماء ، ثم رماها على الأرض وأيضا : القرآن يدل على أن القرآن انما وصل إلى محمد عليه السلام ، من قبل جبريل ، فإنه قال : « قُلْ : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ، فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ » « 29 » وقال : « وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ » « 30 » ( فبين : ان هذا القرآن انما وصل إلى محمد عليه السلام بواسطة رسول كريم ) « 31 » وقال أيضا : « عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى . ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى » « 32 » . إذا عرفت هذا فتقول ، انا قبل العلم بعصمة الملائكة عن القبائح
--> ( 28 ) البقرة 285 . ( 29 ) البقرة - 97 . ( 30 ) التكوير 17 - 19 . ( 31 ) سقط ( ل ) ( 32 ) النجم 5 - 6 .